وطنية
Spread the love

كلمة نقيب الصحفيين التونسيين زياد دبار في الندوة الصحفية التي عقدتها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان اليوم الثلاثاء 11 نوفمبر الجاري بمقرّ النقابة حول التضييق على الفضاء المدني:

“نلتقي اليوم في مرحلة فارقة من تاريخ بلادنا، حيث تتزايد المؤشرات المقلقة على تراجع الحريات العامة وتحديدا حرية التنظيم وحرية التعبير وحرية الصحافة، وهي الحريات التي شكّلت حجر الأساس لتجربتنا الديمقراطية بعد الثورة،

ما نعيشه اليوم من تعليق عمل جمعيات وطنية ومن استهداف مباشر لوسائل الإعلام المستقلة لم يعُد مجرّد ممارسات متفرّقة، بل هو نهج متكامل وممنهج يرمي إلى إضعاف المجتمع المدني وإسكات الكلمة الحرة،

النقطة الأولى التي نقف عندها تتعلّق بقرار تعليق نشاط عدد من الجمعيات الوطنية الكبرى وفي مقدّمتها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات،

هاتان الجمعيتان وغيرهما من مكوّنات المجتمع المدني صوت الفئات المهمّشة، ورافعتين للدفاع عن الحقوق والحريات، وشريكتين فاعلتين في صياغة السياسات العمومية ومساءلتها. إنّ تعليق عملهما يمثّل سابقة خطيرة تُقوّض أحد أبرز مكتسبات الثورة، وهو الحقّ في التنظيم والعمل الجمعياتي.

فالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ليس مجرّد جمعية، بل ضميرا حيّا للمجتمع يوثّق الأزمات ويُسائل السياسات العمومية ويدافع عن الفئات الهشّة والمناطق المنسية، ويرفع الصوت باسم من لا صوت لهم. إن المنتدى شاهدا صادقا على معاناة آلاف التونسيين في الهجرة، والبطالة، والفقر، والتهميش، ومساهما في صياغة بدائل تنموية عادلة،

أما الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، فهي ومنذ عقود مدرسة في النضال من أجل المساواة والكرامة، وسندا للنساء في مواجهة العنف والتمييز، ورمزا لمشروع تونس المدنية التقدمية. هي جمعية حافظت على استقلاليتها رغم كل الضغوط، وظلّت منحازة للعدالة الاجتماعية وللحقوق الكونية للإنسان،
هذا القرار لا يُقرأ بمعزل عن مناخ سياسي واجتماعي يتّسم بانكماش الفضاء العام وعودة منطق الوصاية على الفكر والرأي. إنّ تكميم صوت الجمعيات النقدية هو في جوهره إضعاف للديمقراطية وتقويض للرقابة المجتمعية، ومحاولة لإعادة المجتمع إلى وضع الصمت والامتثال.

أما النقطة الثانية، فهي تتعلّق بما يتعرّض له الإعلام التونسي المستقل والبديل من تضييقات ممنهجة ومتدرّجة. لقد شهدنا في السنوات الأخيرة وضع اليد على الإعلام العمومي وتدجينه، من خلال التحكم في التعيينات والسياسات التحريرية، وتحويله تدريجيا من منبر للمواطنة إلى صوت للسلطة،

ثم تلا ذلك تقييد تمويل الإعلام الخاص وإضعاف موارده بهدف كبح استقلاليته وقدرته على الصمود أمام الضغوط. واليوم، نصل إلى المرحلة الثالثة الأخطر، وهي استهداف الإعلام البديل والمستقل، الذي شكّل طيلة السنوات الماضية أحد آخر معاقل حرية التعبير والمساءلة،

لقد تمّ مؤخرا تعليق عمل موقعين مهنيين وجديين هما “نواة” و“إنكفاضة”، وهما من أبرز المنصات التي عُرفت بعملها الصحفي الرصين واستقلاليتها وبحثها الدؤوب في ملفات الشفافية ومكافحة الفساد.
كما طالت المضايقات والضغوط موقع “الكتيبة”، الذي تميّز بدوره في التصدي للمعلومات المضللة وفي تطوير صحافة التحقق والمساءلة،

هذه المواقع الثلاثة تمثّل، كلّ بطريقتها، نموذجا لإعلام جادّ ومسؤول ومهنيّ، واستهدافها اليوم هو استهداف لجوهر الصحافة الحرة ولحقّ المواطنين في المعلومة الدقيقة والمستقلة،

إنّنا نرى في هذا التسلسل الواضح، من تدجين الإعلام العمومي، إلى إضعاف الإعلام الخاص، وصولا إلى ضرب الإعلام البديل، خطة متكاملة لإخضاع المشهد الإعلامي برمّته. إنها سياسة هدفها السيطرة على المعلومة والكلمة والصورة، وتحويل الإعلام من سلطة رقابة إلى أداة تبرير وتلميع،

تعبّر النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين عن رفضها القطعي لهذا المسار الخطير، وتؤكد أن الدفاع عن الإعلام الحرّ ليس قضية مهنية تخصّ الصحفيين فحسب، بل هو قضية مجتمع، لأنّ حرية الصحافة هي الضمانة الأولى لكل الحقوق الأخرى.

كما نعبّر عن تضامننا الكامل مع الزملاء في “نواة” و”إنكفاضة” و”الكتيبة”، ونؤكد أن المسّ بأيّ منابر إعلامية مستقلة هو مسّ بحرية الصحفيين جميعا، وبحقّ التونسيين في المعلومة،

إنّ حرية الصحافة وحرية التنظيم ليستا امتيازا يمنحه الحاكم، بل حقّ انتُزع بنضالات وتضحيات أجيال. وسنظلّ في النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، ثابتين على المبدأ: لا ديمقراطية بلا حرية، ولا حرية بلا صحافة مستقلة، ولا إعلام بلا ضمانات حقيقية لاستقلاليته،

ختاما، ندعو كلّ القوى المدنية والحقوقية والسياسية والنقابية إلى الاصطفاف دفاعا عن حرية التعبير والتنظيم، وإلى التصدي لكل محاولات العودة إلى منطق الهيمنة والتحكّم،

تونس التي نؤمن بها هي تونس الحرية، تونس الكلمة الحرة، تونس المجتمع المدني القوي والإعلام المستقل”.


Spread the love

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *