ثقافة

مهرجان كان 72: “طلامس”.. علاء الدين سليم يعيد تشكيل التراث الإنساني

Spread the love

كتبه أحمد شوقي    
  
يعيش صناع السينما العرب أغلب حياتهم محاصرين، موضوعين تحت طائلة التوقعات رغمًا عن إرادتهم، سواء توقعات الجمهور المحلي الذي راكم عقودًا من الفهم الخاطئ للسينما يجعله يضع معاييرًا يكاد تحقيقها يستحيل على أغلب الأعمال الجادة، أو توقعات المنظومة السينمائية الدولية التي مهما تظاهرت بالانفتاح والمساواة، فإنها تعامل صناع السينما الآتين من العالم الثالث باعتبارهم “عينات أنثروبولوجية” قبل أي شيء آخر، وكأنها تقول ضمنيًا للفنان: اختر المعالجة الملائمة لأسلوبك لكن للموضوعات التي ننتظر قدومها من منطقتك، الثورات والإرهاب والعدالة الاجتماعية وقهر المرأة، مثلًا. أما الأفكار المطلقة والمجردة فلدينا في الغرب من هم أجدر منك بتناولها.
من هنا تأتي قيمة مسيرة التونسي علاء الدين سليم، الذي يحضر في نصف شهر المخرجين بمهرجان كان بفيلمه الثاني “طلامس”، بعدما توّج عمله السابق “آخر واحد فينا” بجائزة العمل الأول في فينيسيا قبل ثلاث سنوات. قيمة تكمن في قدرة صانع الأفلام الشاب على التلاعب بالأوراق، والانطلاق من نقطة تبدو مغريّة للباحثين عن “قضايا المنطقة” ثم اتخاذ مسار بديل يسمح للفنان بطرح ما هو أوسع أفقًا وأعلى طموحًا.
“آخر واحد فينا” أوحى لمن قرأ ملخصه أو شاهد دقائقه الأولى بكونه فيلمًا عن الهجرة غير الشرعية نحو الشمال، قبل الانعطاف لتناول علاقة الإنسان ـ أي إنسان ـ بالطبيعة، التيمة التي يؤكد الفيلم الجديد إنها الشاغل الأكبر للتونسي الموهوب. أما “طلامس” فهو يبدأ من فكرة قد تكون هي الأكثر إغراءً للغرب المُتظاهر بالاهتمام بما يدور في المنطقة العربية: جندي يفر من الجيش التونسي، ليس هناك ما هو أشهى!
غير أن سليم، الموهوب بالغ الذكاء، يستخدم المدخل السابق، ومعه ما يبنيه في دقائق فيلمه الأولى بحنكة من رؤية عبثية لحياة الجندية اليومية، ومن استخدام الإرهاب كفزاعة لتبرير مواقف وقرارات سيادية، ليصل ببطله (عبد الله المنياوي) لقرار عدم العودة للجيش مجددًا والفرار من مطارديه نحو البرية، لتكون النقطة التي يعود فيها علاء الدين سليم لموضوعه المفضل “علاقة البشر بالطبيعة”، ويبدأ عندها طموح فيلمه الشاهق: إعادة كتابة التاريخ الإنساني.


Spread the love

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *